القانون التجاري

مراحل جريمة غسيل الأموال

مراحل جريمة غسيل الأموال

    إن عملية غسيل الأموال عملية غامضة ومعقدة، وبالرغم من ذلك فإنها تمر غالباً بثلاث مراحل تتطلب استخدام العديد من الأشخاص الذين يؤدي كل منهم الدور المكلف به تبعاً لمقتضيات هذه المرحلة أو تلك، والهدف من ذلك هو إخفاء أو تمويه المصدر الجرمي لهذه الأموال سواءً داخل البلاد أو خارجها، علماً بأن العادة قد جرت على فصل كل مرحلة على حدة، لكن لاشيء يمنع أحياناً دمجها في مرحلة واحدة فقط، مع مراعاة الفارق الزمني تبعاً للضرورة أو الحاجة، أو تداخلها أحياناً أخرى فيما بين بعضها البعض[1].
    كما ذكرنا سابقاً فإن عملية الأموال تمر في ثلاث مراحل رئيسية وهي:
مرحلة الإيداع أو التوظيف، ومرحلة التعتيم أو التجميد ومرحلة الإدماج.

 أولاً: مرحلة الإيداع أو التوظيف:

    في هذه المرحلة يقوم صاحب الأموال المتحصلة عن نشاط غير مشروع بتوظيف أمواله عن طريق إيداعها في أحد البنوك أو المؤسسات المالية الأخرى سواءً في الداخل أو الخارج، ويكون ذلك إما عن طريق فتح الحسابات أو الودائع أو شراء الأسهم وغيرها من الأوراق المالية الأخرى…الخ، ويقوم هؤلاءٍ الأشخاص بعد ذلك بنقل الأموال أو تحويلها إلى شكل آخر من أشكال الثروة أو توظيفها في مجال آخر، كل ذلك يتم من خلال قروض بضمان الوديعة أو شراء الأوراق المالية أو الاكتتاب في أسهم المشاريع التجارية والصناعية، أو شراء الذهب تمهيداً لإعادة بيعها، أو من خلال مقايضة ومبادلة وسائل النقل والأجهزة بالسلع أو الخدمات غير المشروعة بشكل مباشر تمهيداً لبيعها وتسويقها على أساس أنها عمليات سليمة[2].

 ثانيا: مرحلة التعتيم أو التجميد:

    تعد هذه المرحلة من المراحل الهامة في عملية غسيل الأموال، لأنها تهدف إلى فصل الأموال عن مصدرها الأصلي غير المشروع، ويتم ذلك من خلال سلسلة من العمليات المعقدة والمتتابعة للتمويه على مصدر هذه الأموال، وفيها يلجأ الجاني إلى تنفيذ عملية غسل الأموال أثناء الصفقة التي يجريها على الأموال غير المشروعة أو لاحقاً عليها، وهو ما يسمى أيضاً بمرحلة التمويه.
    يقصد بالتعتيم أو التجميد قيام غاسلو الأموال بسلسلة من الصفقات المالية تتميز بالتكرار والتعقيد لتحويل الأموال غير المشروعة إلى أموال مشروعة، ومثال ذلك قيام تاجر ذهب ببيع الذهب لتاجر المخدرات بسهولة من خلال البيع إلى تاجر ذهب آخر لا يستخدمها، ومن ثم تتحرك الأموال خطوة أخرى بعيداً عن الخطوة الأولى، وحتى يتم إضفاء الشرعية عليها يقوم بتزوير فاتورة وهمية تفيد الشراء، حتى يتسنى له إرسال المال من حسابه إلى تاجر المخدرات سواءً بالتحويل الالكتروني أو بشيك مقبول الدفع، مما يجعل تتبع الأموال المتحصلة من المصدر الإجرامي أمراً بالغ الصعوبة[3].

 ثالثا: مرحلة الإدماج

    تعد مرحلة الإدماج المرحلة الأخيرة من مراحل غسيل الأموال، وهي المرحلة الأكثر علانية، والتي يتم من خلالها إضفاء مظهر قانوني للأموال غير المشروعة بعد أن انقطعت صلتها تماماً بمصدرها الإجرامي غير الشرعي، كما أن هذه المرحلة تؤمن الغطاء النهائي للمظهر الشرعي للأموال ذات المصدر غير المشروع بطريقة تبدو وكأنها ناتجة عن استثمار قانوني لمال من مصدر مشروع، وبعد وصول الأموال غير المشروعة إلى مرحلة الإدماج تكون قد بلغت مرحلة الأمان، حيث أن التفريق بين الأموال المشروعة وغير المشروعة يعتبر أمراً بالغ الصعوبة، وبعد ذلك تعود هذه الأموال إلى أيدي المجرمين بعد أن أصبحت نظيفة، ويمكن لهم بعد ذلك التصرف بها بحرية إما لاستخدامها في أنشطة إجرامية أو استثمارها في أنشطة مشروعة لتحقيق المزيد من الأرباح[4].
    إن عملية الكشف عن عمليات غسيل الأموال في هذه المرحلة يعتبر أمراً بالغ الصعوبة، ذلك بسبب صعوبة التفريق بينها وبين المال المشروع، لأنها خضعت لعدة عمليات غسيل متتالية يمكن أن تكون قد استمرت عدة سنوات، لذلك لا يمكن الكشف عنها إلا بالطرق الاستخبارية أو بمحض الصدفة[5].


[1] هيام الجرد، المد والجزر بين السرية المصرفية وتبييض الأموال: دراسة مقارنة للقوانين التي تحكم السرية المصرفية  وتبييض الأموال، الطبعة الأولى، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، 2004، ص65.
[2] د. صفوت عبد السلام عوض الله، “الآثار الاقتصادية لعمليات غسيل الأموال ودور البنوك في مكافحتها”، بحث قدم إلى مؤتمر الأعمال المصرفية الالكترونية بين الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة، دبي، 9-11، كانون الثاني،2003، المجلد الثالث، ص1542.
[3] د. خالد حامد مصطفى، المرجع السابق، ص141.
[4] أمجد سعود الخريشة، المرجع السابق، ص40.
[5] أمجد سعود الخريشة، المرجع السابق، ص41.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock